كم من المرات نظرتُ إلى أبي دون أن أراه ؟ هذا السؤال وحده كان كافيًا ليُبقي النوم بعيدًا عن عينيّ هذه الليلة نهضتُ من فراشي ومشيتُ في البيت كما لو أن شيئًا ما أفلت مني! لا أعرف ماذا أريد على وجه الدقة مررتُ بالغرف واحدةً تلو الأخرى ، استدعيتُ القهوة، ذلك العذر القديم الذي نختبئ خلفه حين يعجزنا النوم ! هناك عند ذلك المشهد العادي جدًا، حدث شيء لم أتوقعه.. عاد أبي لا ذكرى، بل حضورًا رأيته يتحرك في البيت كما كان يفعل دائمًا يذهب إلى غرفة المعيشة، ثم يعود منها و يقف لحظةً كأنما تذكّر شيئًا، كنتُ أراقبه آنذاك ببراءة طفلٍ يظن أن الكبار يعرفون إلى أين يمضون “أما الليلة”، فقد سقط هذا الوهم دفعةً واحدة !! وأدركتُ أن أبي لم يكن يبحث عن شيءٍ في البيت كان يبحث عن متّسعٍ لما في داخله كأن الأسئلة إذا كثرت ضاق بها الجسد، فينهض صاحبها ويمشي. وكأن القلب إذا أثقله ما لا يُقال، أخذ يطوف بصاحبه بين الجدران لعلّ الحركة تفعل ما عجزت عنه الكلمات. لأول مرة شعرتُ أنني لم أكن أشاهد أبي في تلك الليالي كنتُ أشاهد إنسانًا يقف وحيدًا أمام عمره وكم يبدو العمر ثقيلًا حين لا يجد من يشاركه حمله الليلة فقط فهمتُ ذلك الرجل الذي كان يعبر أمامي كل مساء وفهمتُ أن بعض الآباء لا يتركون وراءهم وصايا كثيرة.. إنهم يتركون مشاهد صغيرة جدًا ثم نكبر بما يكفي لنفهمها .
Discussion about this post
No posts
